بعد اشتداد الأزمة السياحــة المصــرية فى خطــر


المصدر الاهرام - أحمد عبدالمقصود

الاعتراف بوجود المرض يمثل الخطوة الأولى والأهم لبدء طريق العلاج..هذا المبدأ الذى أقرته جميع الدراسات العلمية..يفرض على الحكومة الآن وليس غدا.. أن تعترف بعدم قدرتها على مواجهة الأزمات المتلاحقة التى مرت على قطاع السياحة ليس فقط منذ سقوط الطائرة الروسية فى سيناء بل منذ قيام ثورة يناير 2011 وحتى الآن.. فمن المخجل ان مصر بكل خبراتها المتراكمة فى صناعة السياحة تقف امامها لا حول لها ولا قوة غير قادرة على احتوائها والحد من آثارها التى فاقت كل تصور..ليس من العيب أن تعترف الحكومة ان إدارة هذه الأزمة أكبر من إمكاناتها وتلجأ إلى أهل الخبرة ومن تنغمس أيديهم فى النار..ولكن العيب أن تواجه الحكومة هذه الأزمة الطاحنة بالكلام واطلاق الشعارات والمبادرات التى لن تؤدى إلى وجود حلول عاجلة للأزمة مثل شركة استثمارية واخرى لأدارة المطارات وثالثة للطيران.
فالأمر أصبح جد خطير و فاق كل الحدود واصبحت السياحة المصرية فى مهب الريح تلفظ انفاسها الأخيرة..وبعد أن كان الخبراء والمسئولون يحدوهم الأمل فى عودتها قريبا وجدوا أن هذا الأمل ما هو إلا سراب سرعان ما تلاشى مع ضياع الموسمين الصيفى والشتوى المقبلين وتزايد نسب الإلغاءات التى وصلت إلى أكثر من 80% مما يؤشر عن تأخر عودة الحركة السياحية لمدة سنتين على الأقل.


إذا ماذا تنتظر الحكومة لكى تتحرك سريعا وتتخلى عن سياسة النفس الطويل التى ستؤدى حتما إلى موت صناعة السياحة «إكلينيكيا»..لقد أدى عدم السيطرة سريعا على أزمة المطارات والعمل على عودة الحركة السياحية إلى تولد أزمات عديدة فاقت قدراتنا واصبحت تحد من طموحاتنا تجاه مصر الجديدة..ولعل أبرزها أزمة الدولار التى تواجه البنك المركزى الآن ودفعته الى إتخاذ تدابير صارمة حدت من قدرته على السيطرة على سعره مقابل الجنيه وجعلته غير قادر على توفير احتياجات السوق من العملة الصعبة..التراخى فى ادارة الأزمة ادى الى فقدان مصر أكثر من 15 مليار دولار سنويا..ومع ذلك لم يتحرك أحد.
وإعتمدت الحكومة خلال الفترة الماضية على سياسة «الصبر مفتاح الفرج» ولم تلتفت الى معاناة العاملين بالسياحة الأمر الذى سيؤدى حتما إلى عواقب لن يحتملها أحد..لأنها بذلك تكون قد غرزت فى الأرض بذور التطرف وزرعت فى النفوس الحقد والغل وهيأتهم ليقعوا فريسة سهلة فى براثن الإرهاب والتطرف.. الألاف من العاملين فى فنادق الغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم والأقصر واسوان تم تسريحهم والاستغناء عنهم بعد غلق الفنادق ابوابها «بالضبة والمفتاح» ورفع اصحابها الراية البيضاء معلنين الاستسلام نتيجة لاستمرار تراجع الحركة السياحية لأكثر من 5 سنوات..آخر الاحصائيات «غير» الرسمية طبعا تؤكد ان هناك اكثر من 200 فندق وما يقرب من 300 مركز غطس تم إغلاقها ..ناهيك عن مئات البازارات السياحية التى رحل عنها أصحابها بسبب ندرة السائحين..
السياحة بالأساس قضية أمن قومى تمس ملايين الأسر وتؤثر على مصدر رزقهم الوحيد ..ودعونا نرصد ما قامت به الحكومة لمواجهة أزمة سقوط الطائرة الروسية منذ ما يقرب من 4 أشهر وما صاحبها من قيام بعض الدول الرئيسية بحظر سفر مواطنيها الى مصر.
أولا: قامت الحكومة بتشكيل لجنة وزارية لم تصدر أى قرارات ايجابية تطمئن بها القطاع اللهم إلا قيامها أخيرا وبعد مضى كل هذه المدة بالتوقيع مع شركة أنجليزية لمراجعة إجراءات الأمن فى المطارات ثم تصدر توصياتها بعد شهرين من الآن لنقوم بتنفيذها..وهنا أتسأل هل لدينا الرفاهية للأنتظار كل تلك المدة..ثم لماذا تعاقدت الحكومة مع شركة لمجرد القيام برصد أوجه القصور فى المطارات..فى حين أن لدينا عشرات التقارير من الوفود الأمنية لمختلف دول العالم والتى رصدت لنا هذه الثغرات دون مقابل وطالبتنا بتنفيذها حتى تسمح لمواطنيها بالسفر الى مصر؟ ولعل أخر هذه الملاحظات التى ارسلتها المانيا بخصوص تأمين حقائب الركاب منذ وضعها على «السير» وحتى وضعها داخل الطائرة..ويذكر هنا ايضا أن وزارة النقل الألمانية منحت الحكومة المصرية مهلة حتى 15 مارس الحالى لتنفيذ ملاحظاتها وإلا ستضطر اسفة لوقف رحلاتها اسوة بانجلترا وروسيا..وهناك وفد امنى المانى سيصل الى مطارات شرم الشيخ يوم الخميس المقبل لأتخاذ قرار نهائى بهذا الشأن.
ثانيا: رفض الاعتراف بأوجه القصور فى المطارات والاكتفاء بعقد اللجان ورفع شعار الأمن القومى عند الحديث عن وجود شركة أجنبية كشريك للشركة المصرية المزمع انشاؤها ولو بنسبة 5% للحصول على اسمها فقط الذى يمثل شهادة ثقة للعديد من الدول..ولنتفق هنا بداية على مبدأ عدم المزايدة على وطنية من ينادى بذلك من قطاع السياحة.. فجميعنا مصريون ولن نقبل بأى حال من الأحوال أن يتحكم فى منافذنا أجانب أو يقوموا بتفتيشنا فى المطارات ولن يسمح أحد بأن تفرط مصر فى سيادتها..ولكن ما لا يعرفه بعضنا أنه حتى فى وجود مثل هذه الشركات فى المطارات أو غيرها فانها لا تقوم بذلك بل تكتفى بخبير أو اثنين على الأكثر للرقابة وتطبيق «المانيول» الخاص بها وتدريب العاملين على استخدام وسائل التأمين الحديثة..وأقرب مثال على ذلك شركات الادارة الأجنبية التى تدير فنادق مصرية مثل «الفورسيزونز..ماريوت..هيلتون..شيراتون»..فهل يستوردون العمالة من الخارج ام يديرون هذه الفنادق بأيد عاملة مصرية 100% وفى أحيان كثيرة تجد المديرين ايضا مصريين.
على الرغم من وضوح اسباب الأزمة التى يمر بها القطاع إلا أن الحكومة تدور وتلف حولها مرات ومرات الى ان فقدت بوصلة التحرك وتركت سفينة السياحة تتلقفها الأمواج هنا وهناك..الى ان عجزت عن الوصول الى المرسي..فلم تستطع القاء طوق النجاة لآلاف العاملين..وتركت مليارات الدولارات تتساقط دون ان تنتبه..وقبطان السياحة يعيش داخل الغرف المغلقة ينفرد بقراراته حتى اوشكت السفينة على الغرق..فهل من منقذ؟.
العدد القادم نستكمل رصد ما قامت به الحكومة من إجراءات لعودة السياحة لطبيعتها.. ونطرح وجهات نظر خبراء السياحة وتجارب الدول الاخرى لعل هناك من يلتفت اليها ويعمل على تنفيذها.


تعليقات

المشاركات الشائعة