بشار الأسد.. فى القاهرة!


المصدر الاهرام . قضايا و آراء . د . محمد حسين أبو الحسن

لأجل امرأة قتل أخاه، استشاط قابيل غضبا فسال دم هابيل، فوق «قاسيون» بكى الجبل من هول الجريمة الأولى، خيانات الأشقاء للدم مشوار بدأ من «مغارة» فى دمشق، وبعد 7 آلاف عام من الحضارة أتى من يجز الرءوس ويشق الصدور ويأكل القلوب، خان الزمان زمانه، رأس النبى يحيى ينزف داخل المسجد الأموى، سوريا اليوم نعيم مقيم فى الجحيم، حلوها يختلط بمرها، الحلوى والقنابل، أصوات الطرب وهدير المدافع، حرب عالمية مستعرة، «ذرية قابيل» يعيثون وحشية ودمارا، ترقص الأوطان «تانجو» مع الموت، تتعمد ببحار الدم، تسلم نفسها للعدم، تذوب كالزبد فوق صهد النار؛ لمصلحة قوى الشر والاستكبار، إسرائيل ومن يؤازرونها. 

برغم المآسى، شموخ الشعب السورى يطاول الجبال، يجهد لإنقاذ وطنه من براثن الخراب، شاهدت ذلك بنفسى خلال زيارتى لسوريا منذ أشهر. فى اللاذقية أو طرطوس، فى حمص أو دمشق، من المسئولين إلى البسطاء فى الأزقة، سؤال كبير على ألسنة الجميع: أين مصر، ولماذا تتركنا، لماذا لا تعود علاقات البلدين، ألم تتخلص القاهرة من حكم «إخوان الضلال» بعد أيام معدودات من تهديد مرسى بإعلان الجهاد فى سوريا، بخطبة الاستاد الشهيرة؟ ألم يكن هذا أحد أسباب ثورة 30 يونيو؟..إلخ. 

عبر أزمان كثيرة، كانت مصر وسوريا كيانا واحدا، آخرها دولة الوحدة فى الخمسينيات، مازال مسمى الجيش الأول فى سوريا، والجيش الثانى والثالث فى مصر، كلاهما شريكان فى نصر أكتوبر «تشرين» 1973 الباهر الذى وحد العرب من المحيط إلى الخليج، ضد إسرائيل والصهيونية العالمية.. العلم السورى يحمل «نجمتين» ترمزان لمصر وسوريا، وبقدر مكانة أرض الكنانة فى قلوب أبناء الشام، جاء العتاب شديدا وربما موجعا!. 

أعترف بأن الرد المصرى جاء بطيئا متحسسا، لكنه حصيف متعقل، أحرقت كثرة الطهاة الطبخة السورية، كل اللاعبين اتفقوا على عرقلة أى حضور لمصر، كلهم لهم مآرب أخرى غير مصلحة السوريين، مزقوا البلد وشربوا من دم أبنائه، مصر الاستثناء.. «الأشقاء» و«الأعداء» حاصروا دورها، توارت لكنها لم تغب. قرأت المشهد السورى جيدا، وبرغم التحديات المحدقة بها - لا تقل عما تتعرض له سوريا - فإنها أخذت تنسج تحركاتها بأناة وحكمة وثقة، أعلن الرئيس السيسى مرارا وقوفه إلى جانب المؤسسات الوطنية - قاصدا الجيش السورى - بمواجهة جماعات الإرهاب، مؤكدا حرية الأشقاء فى اختيار قيادتهم دون وصاية، من أى طرف؛ فتعرضت القاهرة لضغوط فوق الاحتمال، سياسية واقتصادية وإعلامية، من جبهات مختلفة - لكن موقفها المبدئى لم يتزحزح، وأثبتت الأيام صواب النهج المصرى تجاه الأزمة وانعكاساتها بالإقليم. 

ولأنها الوحيدة التى لم تتلوث يدها بدماء السوريين، تحظى مصر بثقة يفتقدها الآخرون، دخلت شريكا برعاية «مناطق خفض التوتر»، لإطفاء الحريق المشتعل ومد يد العون لمن تقطعت بهم السبل، فى خطوة مرحلية على درب كشف الغمة. المدهش أن العودة المصرية «المتأنية»، لا تروق للاعبين مثل تركيا وإيران وإسرائيل فقط ، بل أيضا لدول «شقيقة»، لاتتوقف وسائل إعلامها عن التشكيك أو التهوين أو التهويل أو..أو.. بدور مصر العائد، تحدث بعضهم عن «الغموض» وسخر غيرهم من قدرتها على التأثير، بينما لا تملك دبابات أو أتباعا على الأرض السورية، وضرب مثلا، بردة فعل الزعيم السوفيتى ستالين فى مفاوضات الحلفاء لتقسيم أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية، عندما طالبه الحلفاء بإبقاء إيطاليا خارج تقاسم النفوذ، إكراما للبابا، فسأل ستالين: «وكم دبابة لدى البابا؟!».. 

كأن مصر وسوريا لم تكونا دولة واحدة، أحقابا طويلة، منذ رمسيس الثانى حتى جمال عبدالناصر، وأن الأمن القومى المصرى يبدأ من هضبة الأناضول، وأن تآكل أدوار القاهرة فتح شهية الطامعين بالمنطقة، وارتد الأمر عليها حتى هددوها هى بحجب جزء من المعونة، من ثم نفهم لماذا تنزعج «ذرية قابيل» من انبعاث الدور المصرى من رماده، كطائر الفينيق، فى سوريا وغيرها، ذلك بالتحديد ما يجعل «المحروسة» عصية على الوصاية والمحاور، على مصر ألا تستأذن أحدا، حضورها أمن لها وأمان لسوريا، طوق نجاة فى زمن استثنائى، ولو كره الكارهون. حتى ولو صحونا ذات صباح على «بشار الأسد» فى القاهرة، التى نجحت، دون سواها، بتحقيق اختراق فى «المصالحات»، بين المعارضة والنظام، وأثبتت الأحداث صحة رؤيتها: أنه لابديل عن الحل السلمى لحلحلة الأزمة وتضميد الجروح السورية النازفة وكبح الخيانات المتدفقة من «مغارة الدم». 
M_ha7@hotmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة