أمريكا.. ومحاولات تزييف التاريخ

تعمد أوساط إعلامية غربية إلى تقديم الولايات المتحدة كصاحبة الفضل في الانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية، متجاهلة بالكامل دور قوات الاتحاد السوفييتي على أكثر من جبهة.
سبعون عاما على الحرب الوطنية العظمى، يتوقف المؤرخون عند محطات مفصلية فيها بينما يتجاهل كثيرون معطيات حاسمة أخرى.
في الولايات المتحدة التي شاركت في الحرب، يعزو البعض النصر في الحرب العالمية الثانية إلى الدور الذي لعبته بلادهم، متناسين أو متغاضين عن دور الاتحاد السوفييتي في دحر القوات النازية.
ويبدو هذا جليا في الشارع الأمريكي، كثيرون هنا لا يعلمون حتى بالدور الذي لعبه الاتحاد السوفييتي في القضاء على جحافل هتلر على الجبهة الشرقية.
وتخلص العالم من النازية، فقد الاتحاد السوفييتي نحو 30 مليون شخص في هذه الحرب وبينما كان الجهد الحربي يـثقل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية في الاتحاد السوفييتي، والتي لا زالت آثارها نــدية حتى اليوم، كان اقتصاد الولايات المتحدة في انتعاش، ناهيك عن أن الحرب لم تدر على أراضيها، فلم يذق الناس أهولها وويلاتها.. ورغم ذلك جـنت واشنطن ما جنت، وحافظت على قواعدها في اليابان وفي ألمانيا إلى اليوم.
غير أن الحرب تعلم من اكتوى بنارها أن التعاون أفضل طريق، وهناك أمثلة كثيرة حول ذلك خلال الحرب العالمية الثانية، يضرب هذا المحارب القديم مثلا في معركة الألب، التي التقت فيها قوات روسية قادمة من الشرق، وقوات أمريكية من الغرب، لتلتقــيا على ضفاف نهر الألب وهو ما عنى أن القوتين العظميين قطعتا ألمانيا إلى نصفين.
وتلعب السياسة دورا في كتابة التاريخ، وربما، المثل القائل إن المنتصرين يكتبون التاريخ ليس دائما صحيحا، فها هو التغاضي وبشكل كبير عن أحد أهم أسباب الانتصار في الحرب العالمية الثانية يمر، بينما تستمر تبعاتها على الكل من دون استثناء وإن بدرجات متفاوتة.
و بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 70 للانتصار على النازية، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن المحاولات الوقحة لإعادة كتابة التاريخ من أجل تحقيق مصالح سياسية آنية غير مقبولة على الإطلاق، بما في ذلك محاولات رد الاعتبار للنازيين وعملائهم.
ووصف بوتين هذه المحاولات بأنها غير أخلاقية وخطيرة للغاية، علما بأنها تدفع العالم نحو نزاعات جديدة ونحو المزيد من مظاهر القسوة والعنف.
ومن أجل إعادة الذاكرة إلى العالم، وإلى أوروبا والولايات المتحدة على وجه التحديد، و في التاسع من مايو جرى أضخم استعراض عسكري في تاريخها روسى بحضور ما يقرب من 26 قائدا وزعيما أجنبيا.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكد أن قادة وزعماء 26 دولة أعلنوا رسميا موافقتهم على المشاركة في الاحتفالات المكرسة للذكرى الـ 70 للنصر على النازية، كما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ورئيسا منظمة اليونسكو ومجلس أوروبا مشاركتهم في هذه الاحتفالات.
ويشارك في هذا العرض الأضخم، أكثر من 15 ألف شخص، بما في ذلك وحدات من القوات المسلحة لعدد من بلدان رابطة الدول المستقلة والدول الأجنبية. وأشار شويغو إلى أنه سيتم في الساحة الحمراء بهذه المناسبة استعراض أكبر عدد من الأسلحة والمنظومات والآليات والمعدات العسكرية الروسية وأحدثها. ولأول مرة ستعرض في الساحة الحمراء مدافع ذاتية الحركة من الجيل الجديد “كواليتسيا – سي في”، والصواريخ الاستراتيجية “يارس”، ودبابات المستقبل “أرماتا”، وعربات المشاة القتالية “كورغانيتز – 25″، ومجمع “كورنيت– دي”، والعربة القتالية للإنزال “بي أم دي – 4 أم”، وغيرها من المعدات الحديثة. وستفتتح العرض العسكري دبابات “تي – 34″ التي شاركت في الحرب الوطنية العظمى، كما ستحلق في السماء 143 طائرة ومروحية تابعة للقوات الجوية الروسية. وستشهد 30 مدينة روسية و 150 وحدة إدارية استعراضات عسكرية يشارك فيها حوالي 85 ألف عسكري روسي. بهذا الصدد أشار وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى أنه سيتم تصوير فيلم وثائقي عن هذا الاستعراض الكبير وسيترجم إلى لغات الدول المشاركة فيه.
من الصعب أن نتحدث الآن عن الأسباب الاقتصادية والأمنية ومآسي وكوارث الحرب العالمية الثانية، وما فعلته النازية بالعالم طوال ما يقرب من 6 سنوات، خسر فيها الاتحاد السوفيتي وحده ما بين 25 – 30 مليون نسمة.
ولكن من أجل التذكير فقط، شنت ألمانيا النازية وحلفاؤها على الاتحاد السوفيتي هجوما بقوة لم يسبق لها مثيل. حيث اندفع إلى الهجوم على الأراضي السوفيتية 5 ملايين عسكري ألماني بقوام 190 فرقة و4 آلاف دبابة و 47 ألف مدفع وهاون و4.5 ألف طائرة و200 سفينة حربية. وقصفت الطائرات الحربية الألمانية في اليوم الأول من الحرب المطارات ومواقع حشد القوات ومحطات السكك الحديد والمدن الكبرى وغيرها من الأهداف العسكرية والاقتصادية الهامة في الجمهوريات السوفيتية ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وبيلاروسيا وأوكرانيا ومولدافيا، على امتداد الحدود من بحر البلطيق إلى البحر الأسود.
لقد أغمضت الولايات المتحدة وأوروبا عيونها في ثلاثينيات القرن العشرين عن صعود الحزب النازي في ألمانيا، بينما كانت الأزمة الاقتصادية تعصف بالأولى وتلقي بظلالها على الثانية. وكان من المتوقع، أو المخطط له، أن تقع المواجهة الأساسية بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي الستاليني لكي يتخلص الغرب من هذا الصداع الذي يهدد بنيته الاجتماعية. لكن هتلر فضَّل أن يبدأ بالتهام أوروبا، ولم يقترب من الاتحاد السوفيتي وفقا لمعاهدة السلام وعدم الاعتداء بين البلدين إلا في أبريل 1941. أي بعد أن مهد الأراضي الأوروبية جيدا.
هكذا لعبت الولايات المتحدة وأوروبا دورهما التاريخي في ظهور النازية ومحاولة توجيهها واستخدامها ضد الاتحاد السوفيتي. لكن السحر انقلب على الساحر وواجهت أوروبا واحدة من أكبر المحن في تاريخها، بينما الولايات المتحدة التي تقبع خلف المحيط بعيدة عن كل هذا الدمار، تحافظ على قوة الدفع والتوريط حتى لحلفائها من جهة، وتحصل على النصيب الأكبر من الغنائم من جهة أخرى.
الخطير في الأمر أن التاريخ أعاد نفسه حتى قبل نهاية القرن العشرين إذ أعادت الولايات المتحدة وأوروبا نفس التجربة بمساندة التنظيمات الدينية اليمينية المتطرفة لمواجهة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان.
وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي دفه ثمنا غاليا في أفغانستان، لم يتوقف دعم الولايات المتحدة وأوروبا لتلك الجماعات والتنظيمات، بل اتسعت مساحة استخدامها ورعايتها عبر دول وسيطة للقيام بدور لا يقل عن دور النازية، ولكن هذه المرة تحت عنوان الدين والخلافة الإسلامية.
ولا يقتصر دعم الغرب على تلك الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تعمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبعض الدول الأفريقية، بل امتد ليتحول إلى حالة من الصمت أمام ظهور النازية بقوة في ألمانيا وبولندا ودول البلطيق الثلاث (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) وأوكرانيا. ويبدو أن نفس الأسباب التي دفعت أمريكا وأوروبا إلى استضافة كافة قيادات التنظيمات الإرهابية، هي نفس الأسباب التي تدفعها الآن لإغماض العين عن ظهور النازية الجديدة، بل وتبرير وجودها تاريخيا.
لقد عارضت الولايات المتحدة وأوكرانيا وكندا في 22 نوفمبر 2014 مشروع قرار روسي أممي يدعو الدول لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع تمجيد النازية وجميع أشكال التفرقة العنصرية والتعصب. وصوتت 115 دولة من أصل 193 لصالح قرار بهذا الشأن تبنته اللجنة الاجتماعية والإنسانية والثقافية (اللجنة الثالثة) في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وامتنعت 55 دولة، بينها دول الاتحاد الأوروبي، عن التصويت عليه. وأعرب أعضاء اللجنة في القرار عن القلق العميق حيال تمجيد الحركة النازية، والنازية الجديدة، والأعضاء السابقين في منظمة “فافن إس إس” النازية، بأي شكل من الأشكال، بما في ذلك عن طريق تشييد النصب التذكارية والأضرحة وإقامة التظاهرات العلنية.



اخبارمصر

تعليقات

المشاركات الشائعة