الفقراء يأكلون نفايات العالم




كشفت «الوفد» في حملة موسعة منذ الخميس الماضي أنواع السموم التي يتناولها المصريون في معظم أنواع الطعام والشراب بدءا من اللحوم والدواجن والأسماك مرورا بالألبان والجبن والحلوي والوجبات الجاهزة،
واليوم يعرض «الوفد» أنواع الأطعمة التي يأكلها الأغنياء والفقراء في مصر والتي تعكس الفجوة الكبيرة بينهما، فالفول والطعمية والكشري والكبدة أشهر المأكولات التي تنتشر عرباتها في أرجاء المعمورة ويتردد عليها الزبائن من مختلف الطبقات نظرا لظروف المعيشة الصعبة وعدم مقدرتهم علي تناول تلك الوجبات في المطاعم لارتفاع أسعارها، فيلجأون الي عربات المأكولات في الشارع التي تقدم أشهي الوجبات بالنسبة لهم بأرخص الأسعار، غير عابئين بما قد يصيبهم من أمراض أو تلوث من تلك العربات المهم «سد جوعهم بالقليل من الجنيهات»، بينما تتناول الطبقات العليا أو الأغنياء الكاڤيار والاستاكوزا والسيمون فيميه واللحم البتلو والأوزي التي قد تتكلف الكثير من الأموال في أفخر الفنادق والمطاعم، بجانب صف آخر من الأطعمة لا يسمع عنها البسطاء ولا حتي في الأفلام.
«الوفد» تطرح المقارنة بين أطعمة الموت والمرض للفقراء والرفاهية والعز للأثرياء.. إنها أطعمة أولاد «الإيه» وأولاد «البيه».
أصبحت عربات الفول والكبدة والكشرى المتجولة جزءا لا يتجزأ من ملامح الشارع المصري لأنها تعتبر من مشروعات الكسب السريع أو ما يسمي بـ«البيزنس» الخاص الذي يلقي رواجا بين شرائح كبيرة من المجتمع المصري، فتكاليف هذه العربات تتراوح ما بين 1000 جنيه في الأحياء الشعبية الى 4000 جنيه في الأحياء الراقية حتي تتناسب مع نوعية الجمهور الذي تقدم له الخدمة.«الوفد» تجولت فى شوارع القاهرة والجيزة لترصد المطاعم المتحركة «عربات المأكولات» وزبائنها وتقف على السبب الحقيقى وراء تفضيل البعض تلك المأكولات من الشارع هل هو الطعم أم السعر؟يقول سعيد عبدالرحمن - صاحب عربة «كبدة» بشارع مصدق: أنا هنا منذ أكثر من 15 عاما أقدم أشهى المأكولات من كبدة وكفته وسجق بالإضافة الى طبق المكرونة والجميع هنا يعرفنى وزبائنى من طبقات مختلفة وبعضهم من رواد نادى الصيد، حيث أننى كنت أعمل «شيف» هناك.ويتابع «سعيد»: ليس معنى أننى أقف فى الشارع أن المأكولات التى أقدمها غير جيدة بل على العكس فإننى أبذل كل جهدى حتى يصبح ما أقدمه أفضل لجذب الكثير من الزبائن.ويضيف عم «سعيد» يبدأ يومى من الساعة السادسة صباحا حيث أقوم بإعداد الوجبات وتجهيز السلطات وفى الساعة الثامنة يبدأ العمل ويستمر حتى الواحدة من منتصف الليل ونقسم تلك الفترة بينى وبين زميل يعمل معى فى الفترة المسائية، وعن سعر طبق المكرونة بالكبدة او السجق يقول إن سعره لا يتجاوز الـ6 جنيهات وإن مكسبه فى هذا الطبق لا يتعدى النصف جنيه ولكن «الحمد لله.. رضا» أما سعر السندوتش فهو جنيهان. وعن المتاعب التي يواجهها قال: رغم أننى لدى ترخيص وتصريح من وزارة الصحة فإن المرافق لا تتركنا فى حالنا وتمنعنا من وضع الكراسى والتربيزات على الرصيف أمام العربة لتقديم الاكل للزبائن.وأمام العربة كان يجلس محمود العوارى صحفى من الإسكندرية جاء لتناول طبق مكرونة بالكبدة، حيث قال إننى عندما أتردد علي القاهرة أتناول طبق المكرونة من عم سعيد فهو أشهى من المطاعم بالإضافة الى أن سعره رخيص وعلى عكس ما يرى البعض أن عربات الأكل فى الشوارع تسبب الأمراض لقلة جودة الطعام فأقول لهم إنه من الممكن ان تنتقل الأمراض لأى شخص وهو يتناول طعامه فى أفخر المطاعم فأهم شيء هو الصنعة.أما حمادة أحمد دبلوم تجارة وصاحب عربة فول بالدقى فيروى لنا مشواره فى إعداد وتجهيز العربة منذ الساعة الرابعة فجرا وحتى الانتهاء فى الثانية بعد الظهر فيقول أستيقظ من النوم الساعة الرابعة فجرا وأقوم بتجهيز قدرة الفول والسلطات من باذنجان والسلطة والطرشى بالإضافة الى غسيل الجرجير والبصل وعند الانتهاء من ذلك نحرك العربة الى المكان الذى اعتدنا الجلوس فيه يوميا ونقوم بفرش المائدة والتى تعد من البراميل وعليها لوح من الخشب ليأكل عليها الزبائن وفي حال زيادة عدد الأشخاص يلجأ الزبائن إلى السيارات المتوقفة قرب العربة يضعون أوراق الجرائد على السيارات المجاورة ويضعون فوقها الطعام، الذي يعد وجبتهم المفضلة كل صباح.ويتابع: هذه العربة يعمل عليها خمسة أفراد فهى تصرف على خمس أسر ومعظم زبائننا من الموظفين المحيطين بنا، فالفول لا يختلف عليه أحد سواء غنى او فقير الجميع يعشق الفول فهو «مسمار البطن كما يقولون».ويلتقط الحديث محمد عثمان خريج معهد الاتصالات واللاسلكى وهو الفرد الثانى الذى يعمل على العربة: كل ما نريده هو ترخيص للعربة حتى نرحم من المرافق لأنهم كل يومين يسحبون العربة ويقوم صاحبها بدفع 500 جنيه لإعادتها مرة أخرى بالإضافة الى أننا نقوم بدفع عشرة جنيهات اسبوعيا لمندوبي الحى ومندوب الصحة حتى يتركونا نأكل عيش، وفى مرارة يقول البلد مبنية على منهج فاشل وهو «الواسطة والمحسوبية والرشاوى» ودونهم لا نستطيع ان نأكل حتى الرغيف الحاف.وعلى طاولة الطعام امام العربة قال جرجس صبحى مقاول معمارى: أينما كان عملي أفضل البحث عن الطعام الأجود والأرخص أهم شيء هو السعر فهناك محلات مثلا تبيع سندوتش الفول بجنيهين فلو حصلت على أربع سندوتشات ادفع 8 جنيهات فى حين اننى احصل على طبق فول وسلطة وبصل وعيش وباذنجان على عربة الفول بسعر 3.5 جنيه فهذا أوفر بالإضافة الى انه أشهى.ويضيف إبراهيم محمود عامل بورشة أحذية انا أبحث عن نظافة الطعام وجودته ونظرا لظروف عملنا ومع قلة الدخل وارتفاع الأسعار فإننا نلجأ لأكل الشوارع لأنه أرخص، وبوجه تعلوه الابتسامة قال:  «معدة المصريين بتهضم الزلط».أما أم احمد بائعة شاى فتقول مكان عملى دائما بجوار عربة الفول: «علشان الزبون يأكل ويحبس بالشاى» فأنا لدى ستة أبناء وزوجى يعمل على فرشة شاى أيضا فى مكان آخر لنستطيع العيش فكوب الشاى بجنيه أما القهوة فهى بجنيهين، ورغم اننى أخرج الي الشارع منذ الساعة السابعة صباحا حتى تنتهى عربة الفول من تقديم وجباتها إلا أننى لا أحصل إلا على 20 الى 30 جنيها فى اليوم رغم أننى أحصل على انبوبة البوتاجاز بـ50 جنيها ولكن ماذا نفعل الحمد لله «احنا عايشين على قدنا» فاللحمة مثلا لا تعرف طريق بيتنا ولكن من الممكن ان نأكل هياكل الفراخ مرتين فى الشهر والسمك مرة و«الحمد لله بس ربنا يدومها» .وأمام مزلقان أرض اللواء يجلس حسين فتحى بعربة الكبدة والتى كتب عليها «على بركة الله».. ويقول: أنا أقدم الكبدة والسجق وأعمل على هذه العربة أبا عن جد مؤكدا أنه يحمل شهادة صحية ومعظم زبائنى من طلاب المدارس والصنايعية والعمال فسندوتش الكبدة أو السجق بجنيه واحد ولكى نحصل على 1500 جنيه فى اليوم لابد أن نعمل لمدة 24 ساعة حيث إننا أربعة أشخاص نعمل على العربة ولكن الأسعار نار فسعر كيلو الكبدة الأمريكى 22 جنيها وكيس السجق الذى يزن 5 كيلو جرامات بـ52 جنيها بالاضافة الى التوابل والعيش.ويقول باسل أحمد طالب بالصف الثانى الإعدادى: كل يوم خميس ألتقي مع عدد من أصحابى لنأكل سندوتشات الكبدة والسجق من على العربة لأنها أشهى من المحلات  وتتناسب مع حالتنا المادية، أما صديقه مصطفى فيعترف بأنه بالرغم من إصابته بفيروس «A» من الكبدة ورغم ذلك أتناولها مع أصحابى كل خميس لأن طعمها حلو.وفى ميدان رمسيس يقف عم أحمد بعربة الكشرى ويقول الأكل هو اللى بينادى على الزبائن فطبق الكشرى بسعر 4 الى 5 جنيهات وهو وجبة شهية وتسد الجوع فلو ذهبت للمحلات فسوف تجد طبق الكشرى أغلى وليس بنفس الطعم الناس غلابة عايزة اللى يشبعها بأرخص ثمن ولكنى أحرص على تقديم أفضل طعام حتى أكسب الزبائن لأن الطعام اذا كان غير جيد سيهجرني الزبائن وأتعرض للخسارة.وتقول منى موظفة بإحدى المصالح الحكومية: أحب فول العربة التي تقف أمام المصلحة إلا إنني أشعر بالإحراج من الوقوف وسط الرجال والشراء من على العربة، ولذا أجمع المال من زميلاتى فى المكتب ونطلب من الساعى الذهاب وشراء سندوتشات الفول لنا.ويؤكد عم إسماعيل - عامل بناء - أنه وزملاءه اعتادوا الأكل فى الشارع من العربات سواء كان فول أو كشرى أو كبدة لأن عملهم يفرض عليهم، ذلك بالإضافة الى أن هذه المأكولات أرخص ثمنا من مثيلاتها فى المحلات والمطاعم. ويضيف عم إسماعيل: الموضوع كله مرتبط بالأشخاص فليس كل من يرى الأطباق التى سيأكل فيها وهى تغسل فى دلو صغير تطيب له نفسه تناول الطعام في الشارع.


تعليقات

المشاركات الشائعة