عماد الدين أديب :ما سر مانديلا؟

فى جنازة أسطورية حضرها أكثر من مائة زعيم دولة فى مدينة «سويتو» بجنوب أفريقيا تم تشييع جنازة المناضل الأعظم فى هذا القرن نيلسون مانديلا.
وقد يتبادر إلى الأذهان السؤال الذى قد يطرحه البعض من غير العارفين لحجم وقدر الزعيم مانديلا وهو: لماذا كل هذا التكريم والتبجيل لرئيس سابق لدولة جاوز العقد التاسع من عمره وتوفى فى ظروف طبيعية؟
باختصار: هل يستحق مانديلا كل هذا الصخب؟
ولماذا يقول باراك أوباما الذى عبر آلاف الأميال هو وزوجته من واشنطن إلى «سويتو» كى يشارك فى مراسم الجنازة: «لقد تعلمت أنا وزوجتى وجيلى كله من نضال مانديلا».
وفى حالة أوباما فإن التأثر له أسبابه الموضوعية؛ فكما كان أوباما أول رئيس أسود فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ إعلان الاستقلال، فإن مانديلا هو أول رئيس أسود منذ التحرر من حكم الأقلية البيضاء واضطهاد السود.
وإذا كان مانديلا هو أطول معتقل سياسى وأشهرهم على الإطلاق حيث قضى 27 عاماً من حياته فى سجن منفرد ومعزول وصارم، فإنه أيضاً كان أشهر سياسى لم يكسره السجن ولم يرهبه الاعتقال.
من المنطقى أن يخرج المناضل المعتقل من السجن، خاصة بعد 27 عاماً من الاعتقال الظالم، مليئاً بالثورة والغضب والرغبة فى الثأر من جلاديه الذين أودعوه فى غياهب السجون، لكن المذهل والعبقرى والعظيم فى مانديلا أنه خرج ليطالب جلاديه بالاعتراف والاعتذار ويطالب العدالة بالعفو عنهم وإعادة تأهيلهم داخل المجتمع.
ومنذ ذلك الحدث عرفت البشرية نوعاً مختلفاً من العدالة تعرف باسم العدالة الانتقالية.
إن عظمة مانديلا ليست فى النضال فحسب بقدر ما هى النضال داخل نفسه الغاضبة وكبح جماح غضبها واللجوء إلى التفكير الموضوعى الذى يتجاوز ثأر الذات وينتقل به إلى مصلحة الوطن العليا.
رأى مانديلا أن مصلحة شعبه العليا هى عدم الغرق فى مستنقع «من قتل من؟ ومن عذب من؟ ومن اضطهد من؟» ولكن كيف يمكن أن نبنى وطناً بلا قبلية، وبلا عنصرية، وبلا طائفية وبلا مناطقية، وأيضاً بلا ثأر وثأر مضاد.
رأى مانديلا أنه قد حان الوقت كى تتوقف الدماء ويبدأ البناء.
ولعل أعظم عبارات مانديلا هى ما قاله: «لقد عشت النصف الأول من حياتى أحاول أن أمنع اضطهاد البيض للسود، أما النصف الثانى منها فهو مخصص لمنع ثأر السود من البيض»!!
أعظم ما فى مانديلا هو تجاوز ذاته ولونه وقبيلته وطائفته وعائلته والتعامل مع الأحداث من منظور موضوعى منزوع منه الغضب والثأر والعنف والكراهية.
لو قرأ مكتب إرشاد جماعة الإخوان سيرة مانديلا وحاولوا فهم أسباب احترام العالم كله له سوف يدركون لماذا دخل الرجل التاريخ بينما خرج د.مرسى منه.
نقلا عن صحيفة الوطن



تعليقات

المشاركات الشائعة